رد على البابا

أ.د. جعفر شيخ إدريس

رد على البابا[1]

أ.د. جعفر شيخ إدريس[2]

jsidris@gmail.com

في يوم 16|9|2006 ألقى البابا بندكت السادس عشر محاضرة في جامعة ريجنزبيرج . كانت المحاضرة بالألمانية لكن الفاتيكان ترجمها فيما بعد إلى الإنجليزية بعنوان ترجمته "المراحل الثلاث لبرنامج الرجوع عن الهيلينية". هذا الرد مبني على تلك الترجمة.  والنصوص الواردة في هذا المقال هي من ترجمتي.

كان الموضوع الرئيس للمحاضرة هو علاقة الإيمان بالعقل، وكان عن تطور الفكر الغربي في هذه المسألة ولا سيما فيما يتعلق بالمسيحية. لكن البابا بدأ محاضرته بمسألة لا علاقة لها فيما يبدو بموضوعه، بدأها بكلام مسيئ للإسلام قاله امبراطور بيزنطي في القرن الرابع عشر يتهم فيه الإسلام بالعنف. قال بعضهم إن هذه البداية لم تأت مصادفة ولا حظوا أن المحاضرة كانت بعد يوم واحد من الذكرى الخامسة لحادثة 11 سبتمبر. نقل البابا عن هذا الابمراطور وهو مانيول الثاني باليوقس قوله في حوار بينه وبين رجل فارسي مسلم:

دلني على شيء جاء به محمد كان جديدا، ولن تجد إلا أشياء شريرة وغير إنسانية مثل أمره بأن تنشر العقيدة التي جاء بها بالسيف.

إن الله لا تسره الدماء، ولا تسره التصرفات غير العقلية. إن syn logo"" أمر مخالف لطبيعة الله. إن الإيمان ينبثق من الروح لا الجسد. فكل من أراد أن يهدي إنسانا إلى الإيمان فإنه محتاج إلى أن يكون قادرا على أن يجيد الكلام ويحسن الجدال، من غير عنف ولا تهديد. ... ... إنك لكي تقنع روحا عاقلة لا تحتاج إلى ساعد قوي ولا إلى أسلحة من أي نوع ولا إلى أي وسائل أخرى تهدد بها الإنسان بالموت

ولكي يقنع المستمعين إليه بأن الإمبراطور الذي وصفه البابا بأنه واسع الثقافة ولم يقل ما قال عن جهل بالإسلام، فإن البابا مضى يقول :

لا بد أن الإمبراطور كان على علم بالسورة (يقصد الآية) 2: 256 "لا إكراه في الدين" وهي من سور المرحلة الأولى التي كان محمد فيها ضعيفا ومهددا. ولكن من الطبيعي أن الامبراطور كان يعرف أيضا الأوامر بالجهاد المقدس التي تطورت في ما بعد وسجلت في القرآن

نقول :

أولا: إنه واضح من هذا التعليق أن البابا كان يوافق الامبراطور في ما ذهب إليه. فقول الذين اعتذروا عنه بأنه إنما نقل كلاما لا يمثل رأيه، وأن الذين انتقدوه وثاروا عليه من المسلمين أساؤوا فهمه، ليس إذن بصحيح.

ثانيا: قول الامبراطور بأن محمدا لم يأت بشيء جديد ... إلى آخر ما قال دليل إما على الجهل أو على التعصب الأعمى. فكون محمد صلى الله عليه وسلم جاء بشيء جديد وذي قيمة كبرى ولا سيما بالنسبة لليهود والنصارى أمر يقرره القرآن نفسه :

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (5: 15 )

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (3: 64 )

فهل يوجد شيء أهم من تعريف الإنسان بربه، أو من تصحيح الأخطاء التي في كتاب حرفه قومه وصوروا له أنه كلام الله تعالى؟

ثالثا: يقول البابا :

إن العبارة الحاسمة في الحجة ضد العنف في تحويل الناس إلى الدين هي: إن عدم التصرف وفقا للعقل أمر يتناقض مع طبيعة الله.

ثم ينقل البابا قول ناشر هذا الحوار الأستاذ اللبناني ثيودور خوري تعليقا على كلام الامبراطور:

هذا كلام بين بنفسه بالنسبة للامبراطور البيزنطي الذي صاغته الفلسفة اليونانية.

نقول: إن المرء لا يحتاج لأن يكون ممن صاغتهم الفلسفة اليونانية لكي يدرك أن إكراه الناس على الدخول في الدين أو التصرف تصرفا ينافي العقل أمر لا يتناسب مع ما أسماه بطبيعة الله، وما نسميه بصفات كماله سبحانه. فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول :

إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه (رواه مسلم)

وهاهو ينقل لنا عن ربه قوله :

ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (16 : 125 )

فالرسول صلى الله عليه وسلم يذم العنف ذما عاما ولا يجعله قاصرا على الطريقة التي يدعى بها الناس إلى الدين.

رابعا: آية لا إكراه في الدين ليست من الآيات التي أنزلت في المرحلة الأولى كما قال البابا جهلا، وإنما هي مما نزل بالمدينة حيث كان الرسول في قوة ومنعة، وحيث كان قد بدأ قتاله لأعدائه من قريش. ومناسبة نزول الآية كما ذكرها مفسرون كابن كثير تدل على هذا، إذ قالوا إن رجالا من أهل المدينة كان لهم أولاد قد تهودوا فأرادوا أن يجبروهم على الدخول في الإسلام فأمروا أن لا يفعلوا هذا. ثم كيف يقال مثل هذا الكلام لقوم هم في حالة ضعف ومهددون كما يقول البابا؟ كيف تأمر أناسا بأن لا يفعلوا شيئا هم ليسوا بقادرين على فعله أصلا؟

خامسا: ما هذه الآية بآية وحيدة ومعزولة عن آيات الكتاب الأخرى، وإنما هي مبنية على حقيقة كان القرآن الكريم قد قررها من قبل. هذه الحقيقة هي أن الإيمان مسألة قلبية، وأنه لا سلطان لمخلوق على قلوب الناس. فلا الأنبياء بقادرين على إدخال الإيمان فيها، ولا الشيطان بذي سلطة تمنعه من الدخول فيها. إن الله تعالى هو وحده الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لأنه هو وحده المطلع على قلوب العباد، العالم بمن يستحق منها الهداية ومن لا يستحق. ولذلك فإن مهمة الأنبياء من أمثال إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم إنما هي هداية الناس بإيصال الحق إليهم وحثهم على قبوله بكل الطرق الحسنة. إنهم ليسوا مكلفين بإدخال الهدى في القلوب. وهذا أمر أكدته كثير من آيات الكتاب العزيز في مثل قوله تعالى:

فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ . لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (الغاشية:21-22)

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (يونس :99)

 إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (القصص :56)

هل يعقل أن يحاول رسول إكراه الناس على الدخول في الدين وهو يقرأ هذه الكلمات التي أوحاها إليه الله الذي أرسله؟

قد يقال إنه مما لا شك فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم خاض حروبا مع بعض الناس.

ونقول نعم إنه قد فعل ذلك، وأنه أمر بجهاد القتال وبشّر المقاتلين بجزيل الثواب. لكن الذي نؤكده أنه ما كان ليخوضها إكراها للناس على الدخول في دين الله، هو يقرأ تلك الآيات الكريمات. فلا بد أن يكون قد خاضها إذن لأسباب أخرى. ليس هذا مجال البيان المفصل لأسباب تلك الحروب وظروفها وشروطها. لكننا نقول باختصار إن الحرب المأمور بها في الإسلام هي حرب على الظلم، الظلم بكل أنواعه: ظلم المعتدين على المسلمين المسالمين، وظلم استعمال القوة لمنع الناس من الدخول في دين الله، وظلم الذين أبرموا العهود ثم نقضوها. وأما ما سوى هؤلاء من غير المسلمين ـ بمن فيهم من اليهود والنصارى ـ فقد كانوا وما زالوا يعيشون آمنين حتى بين ظهراني المسلمين. إن كون الإنسان غير مسلم لم يكن أبدا سببا لقتله.

سادسا: في محاولته لجعل العقيدة المسيحية متوافقة مع العقل، اضطر البابا لأن يلجأ إلى آراء الذين ربطوا بين النصرانية والفلسفة اليونانية. فهو يقول مثلا:

إن لقاء عميقا يحدث هنا، لقاء بين الدين والتنوير الحقيقي. من قلب الإيمان المسيحي، وقلب الفكر اليوناني الذي ربط الآن بالإيمان، استطاع مانويل الثاني أن يقول : إن عدم العمل وفق اللوجس[3] مناقض لطبيعة الله.

وهذا معناه أن طبيعة الله لا تكون متناقضة مع عدم المعقولية إلا استعنا بالفلسفة اليوناية على جعل الله هو اللوجس. يقول البابا :

بتعديله للآية الأولى من سفر التكوين بدأ يوحنا مقدمته لإنجيله بقوله: في البداية كان اللوجس.

في البداية كان اللوجس واللوجس هو الله كما يقول مؤلف هذا الإنجيل

لكن هذا معناه أن الإله المشار إليه هنا ليس هو الإله المعهود في النصراينة. إنه ليس الله الأب، ولا الله الإبن،  ولا الله روح القدس، ولا هو مزيج من هذه الثلاثة. لا بد أن البابا اضطر إلى هذا المفهوم الذي يجعل الله هو العقل لأنه لا يستطيع أن يقول عن إله النصرانية المعهود إنه لا يتناقض مع العقل. إنه لا يستطيع أن يفعل ذلك لأنه يعلم أن تصورهم المعهود لله يتميز بتناقضه الصارخ مع العقل. ولقد كان هذا التناقض هو اعتراض الإسلام الأساس على النصرانية. إن القرآن الكريم يقرر أن القول بأن لله ولدا أمر يتناقض مع العقل ولذلك فإنه لا يمكن إلا أن يتناقض مع التصور الصحيح لصفات الله أو ما يسميه البابا طبيعة الله.

ولكي نوضح هذا دعونا نبدأ بصفة لله يصفه بها كل المؤمنين بوجوده بغض النظر عن أديانهم. إنهم جميعا يصفونه بأنه الخالق. وحجج القرآن ضد الذين يقولون إن لله ولدا تستند إلى هذه الصفة المجمع عليها بين المؤمنين بوجوده. ويمكن بيان هذه الحجج بتقسيمها إلى خمس مسائل:

أولاها: إذا كان الله خالقا لكل شيء فلا بد أن يكون خالقا لما يقال إنه ولده. لكن العقل يقول إن الأب لا يخلق ابنه بل يلده، وعليه فلا يمكن أن يكون أحد أبا لشيء هو خالقه.

ثانيتها: لا يكون للأب ولد إلا إذا كانت له زوجة. ولذلك يقول القرآن الكريم "أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحية". إن أم عيسى هي مريم في قولنا وقول النصارى، لكن لا أحد منا يقول إنها صاحبة ربنا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأنما هي مخلوق من مخلوقاته.

ثالثتها: إذا كان الله خالق كل شيء فهو بالضرورة مستغن بنفسه غير محتاج إلى غيره، فهو إذن غير محتاج لأن يكون له ولد.

قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (يونس: 68)

رابعتها: تزداد هذه المشكلة إعضالا بالاعتقاد بأن عيسى كان مع الله أبيه في الأزل. كيف يكون أحد ابنا لمن هو معه في الأزل؟ إن الإبن لا يمكن ضرورة إلا أن يأتي بعد أبيه.

خامستها: والنصارى يؤمنون بأن عيسى مات ثم بعث. فكيف يموت من لا بداية له، من كان موجودا في الأزل؟!! لقد نبه علماء المسلمين من زمن بعيد إلي الحقيقة المنطقية التي تقول إن الأزلية تقتضي الأبدية، أن ما لا بداية له لا نهاية له. لماذا؟ لأن من لا بداية له هو بالضرورة مستغن بنفسه كما قلنا. وهذا معناه أنه لا يعتمد في وجوده على غيره. والشيء إنما يزول عن الوجود إذا كان معتمدا على أسباب خارجة عن نفسه، فإذا زال شيء منها زال هو. أما من كان اعتماده على نفسه فلا يتصور زواله.

عندما يواجه النصارى بمثل هذه الحجج العقلية الدامغة فإنهم يلجؤون إلى القول "لكنكم تفهمون عبارة (ابن الله) فهماً حرفياً. وعندما نقول لهم " حسناً. نحن لا نريد أن يكون نزاعنا معكم نزاعا لفظيا فاعطونا أنتم المعنى غير الحرفي لها الخالي من تلك التناقضات" فإنهم لا يحيرون جوابا.

سابعا: إننا في الإسلام لا نحتاج إلى مصدر غير كتاب ربنا لنبرهن على توافق الإيمان مع العقل لأن هذا من مقتضيات الإيمان نفسه. فالقرآن يعتمد صدق المبادئ العقلية، وصحة الشهادة الحسية، وعدل المبادئ الخلقية. فهو يستدل على كونه من عند الله بأنه لا تناقض فيه.

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (النساء : 82)

ويذم الذين ينكرون شهادة الحواس :

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (الأنعام : 7)

ويؤكد أن الله سبحانه وتعالى لا يأمر إلا بما هو خير:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النحل:90)

وينكر أشد الإنكار على من نسب إليه الأمر بما هو قبيح خلقا :

وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (الأعراف: 28)

لكن العلماء المختصين بما يسمى بالكتاب المقدس يخبرونا بأن فيه تناقضات كثيرة، وأن فيه أخطاء واقعية. وفي العهد القديم اتهام لرسل من أمثال داود ولوط بأفعال لا يقدم عليها إلا الشذاذ من المجرمين. ولذلك فإن كثيرا من اليهود والنصارى لم يعودوا يؤمنون بأن كل ما في هذا الكتاب هو من عند الله.

ثامنا: ينقل البابا عن البروفسير خوري قوله :

ولكن بالنسبة للتعاليم الإسلامية فإن الله متعال تعاليا مطلقا. فهو ليس مقيدا بأي من مقولاتنا بما في ذلك المقولات العقلانية.

نعم إن الله سبحانه وتعالى متعال تعاليا مطلقا، فلا يمكن لذلك أن يكون مقيدا بشيء من خارج نفسه. إنه خالق كل شيء بما في ذلك مقولاتنا. ولكن كونه سبحانه لا يؤثر فيه شيء غيره لا يعني أن أفعاله سبحانه خبط عشواء، وأنه يقول أو يفعل ما يخالف العقل الذي منحنا إياه. إن الله تعالى لا مكره له، لكن أقواله وأفعاله هي من مقتضيات صفات كماله. ولهذا فإنه سبحانه لا يناقض نفسه، ولا يقول ما يخالف الواقع الذي خلقه أو يخالف قيم مكارم الأخلاق التي فطرنا عليها. هل هو قادر على أن يقول أو يفعل غير ذلك؟ أجل إنه لقادر، وهو سبحانه محمود لأنه اختار الخير ولم يختر الشر الذي هو قادر على فعله. إنك لا تثني على أحد لم يفعل شرا ليس هو بقادر على فعله أصلا، وإنما تثني على من يتركه اختيارا.

تاسعا: الدين الحق هو رسالة يرسلها الله تعالى إلينا عن طريق رسل منا يصطفيهم. ومهمتنا أن نبذل جهدنا لفهم هذه الرسالة والعمل بهداها.إننا قد نخطئ في الفهم أو في الفعل لكن لا يجوز لنا أن نحرف الرسالة بأن نزيد فيها أو نحذف منها لأننا لا نكون حينئذ متبعين لدين منزل من عند الله بل لدين هو من اختراعنا:

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ (المائدة: 67-68 )

إن الدين المحرف دين بشري مثله في ذلك مثل سائر الأيدلوجيات البشرية. لكن هذا التحريف أمر درج عليه اليهود والنصارى. وهذا هو ما يفعله البابا الآن بما تبقى من النصرانية. إنه يريد أن يضعها في قالب أوربي يجعل الفلسفة اليونانية والفكر التنويري عناصر لا تنفك عنها. ماذا إذن عن النصارى غير الأوربيين الذين لا تمت ثقافتهم بشيء إلي الفلسفة اليونانية أو الفكر الأوربي التنويرى؟ هل يطلب منهم أن يدرسوا هذا الفكر الأوربي ويجعلوه جزءا من دين يعلمون أن أصله من الشرق؟

قد يقال إن بعض الناس يحاولون اتباع سنن أهل الكتاب هؤلاء في تحريف الإسلام. نقول نعم إن بعضهم ليحاولون، لكن عزاءنا أنها محاولات يائسة. فهذا دين وعد الله بحفظه وجعله متاحا لطلاب الحق حتى قيام الساعة.

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9)

سيحفظ الله هذا الدين ذكرا في نصوص كتابه، وذكرا في السنة الشارحة لهذا الكتاب، وذكرا في علماء يدعون إليهما بأمانة وعلى بصيرة. نعم لقد كانت وستكون هنالك انحرافات عن هذا الذكر وسيكون هنالك أناس يعتقدون فيها ويدعون إليها، لكنها ستظل انحرافات عن الحق ولن تمحوه أو تحل محله. لقد حفظ الله هذا الدين مدة الأربعة عشرة قرنا الماضية وسيظل يحفظه إلى قيام الساعة.

رابط النسخة الإنجليزية : https://whymuhammad.org/EN/Contents.aspx?AID=4353 

 



[1] هذا المقال مبني على مقال كتب أول مرة باللغة الانجليزية ، أرسلت منه نسخة إلى الفاتيكان ونشر في موقع اللجنة العالمية لنصرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم (www.whymuhammad.org) .

[2] الشيخ الدكتور جعفر إدريس ، كبير مستشارين وأحد مؤسسي اللجنة العالمية لنصرة خاتم الأنبياء والمشرف على البحوث والدراسات باللجنة.

[3]  اللوجس في اللغة اليونانية هو الكلمة وهو العقل ، ويوحنا في إنجيليه جعل اللوجس هو الله.

1
4351
تعليقات (0)